اسماعيل بن محمد القونوي

405

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس ) الهيكل البدن ظاهره أن الإنسان غير الجسد وقد تقرر في بعض الفتاوى أنه يجب إكفار معمر في قوله إن الإنسان غير الجسد انتهى وبين وجهه أن كونه غير الجسد يقتضي عدم كونه مكلفا وهو ثابت بالأدلة القطعية ومنشأ الكفر هو هذا القول فرحم اللّه امرأ لفق بين هذين القولين « 1 » فالأولى أن يقال والآية تدل على بقاء النفس وتنعيم أهل الطاعة في القبر كما يدل قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها [ غافر : 46 ] الآية على عذاب الكفرة في القبر من غير تعرض أن الإنسان غير الهيكل أو عينه . قوله : ( بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه ) أي الإنسان عبارة عن الروح قال في سورة البقرة وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة الخ قوله جوهر أي جوهر فرد غير منقسم « 2 » محله القلب لأنه ينسب إليه العلم أو جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو المختار عند أكثر الأخيار فكونه غير فان لا يختص بالشهداء فتخصيصهم لاختصاصهم بالقرب من اللّه تعالى ومزيد البهجة والكرامة كذا حقق في قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ [ البقرة : 154 ] قوله ولا يتوقف الخ . فبطل القول بالتوقف « 3 » . قوله : ( ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون قوله : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] ) روى ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار بكرة وعشيا . قوله : ( وما روى ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه عليه السّلام قال أرواح الشهداء في قوله : وما روي عطف على قوله ويؤيد ذلك قوله تعالى أي ويؤيد أن الإنسان غير الهيكل المخصوص قوله تعالى : في آل فرعون وما روى ابن عباس قالوا الحديث يدل على أن أرواحهم تنتقل إلى جسم آخر وقد اتفق عليه العقلاء لكن هل تكون مدبرة لذلك الجسم أو لا يكون اختلفوا فيه فذهب علماؤنا إلى صحة ذلك لدلالة ظاهر الحديث عليها صريحا وقالت الحكماء لا يصح أن تكون مدبرة لتلك الأبدان وإلا لكان تناسخا وهو باطل وأجيبوا بأنه إنما يلزم التناسخ على تقدير عودها إلى جسم غير جسم نفسها الذي كانت فيه والعود حاصل في النشأة الجنانية وإنما هذا التعلق

--> ( 1 ) إلا أن يقال إن مراده والآية تدل على أن الإنسان المعذب والمتنعم في الحقيقة النفس العاصية والنفس المطمئنة لا الهيكل المحسوس قال في تفسير قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ الآية والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية انتهى فلا تغفل . ( 2 ) لتعقله بالبسائط وأما كونه جوهرا فلظهور قيامه بذاته . ( 3 ) أشار به إلى أنه غير مجددة لامتناع وجوه المجردات الممكت عند المتكلمين . قال في المواقف تعلق النفس بالبدن لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية وقال قدس سره في شرحه فإنها في مبدأ خليقها خالية عن الصفات الفاضلية كلها فاحتاجت إلى الآية تعينها على اكتساب تلك الكمالات انتهر فعلى منه أن عدم توقف إدراكه على البدن لو مفارقة عنه وأما قبله فيتوقف عليه وبعد محل تأمل فليتأمل .